الفراغ العاطفي وطرق علاجه 2025

الفراغ العاطفي والعلاج بالقبول والالزام

أحيانًا يأتيك ضيق لا تعرف سببه، تضيق الحياة عليك، يضيق الفكر وتتوه الأفكار، وتنكسر الروابط والعلاقات، تشعر بالوحدة رغم وجود الأهل والأصدقاء حولك، كما لو أنك محاصر في أضيق مكان في الحياة، تتلعثم وتتردد، تقف وحيدًا مشتتًا، لا تدري ماذا تريد أو عن ماذا تبحث؟.

تريد الانطلاق لكنك مكبل، وكل شيء من حولك يدور بسرعة، حتى عقارب الساعة التي تمر في لمح البصر، تجدها تمر وكأنك في فيلم رعب مع كل دقة ترعبك، وتسأل نفسك كيف تنقضي الأيام دون أن تشعر بها؟ وكيف لساعة حائط غرفتي لا تمر؟!.

تشعر بطاقة ومشاعر مضطربة لا تعرف كيفية توجيهها، وتتساءل مرارًا وتكرارًا: كيف ألبي احتياجاتي العاطفية؟ كيف أستعيد عافيتي النفسية؟

ففي هذا المقال، سنستعرض معًا الفراغ العاطفي وطرق علاجه، لنفهم أسبابه، أعراضه، وكيفية التعامل معه بطريقة علمية وعملية.

تشير بعض الدراسات الحديثة (2024) إلى أن ما يقارب 35% من الشباب والبالغين يعانون بدرجات متفاوتة من الفراغ العاطفي أو الشعور بالوحدة المزمنة، وهو ما قد يتطور أحيانًا إلى أعراض قلق أو اكتئاب إذا لم تتم مواجهته.

 

أولاً: علينا أن نعلم ما هو الفراغ العاطفي وطرق علاجه؟

عندما نتحدث عن الفراغ العاطفي، فإننا لا نصف مجرد شعور عابر بالوحدة، بل حالة ممتدة يشعر فيها الإنسان أن احتياجاته العاطفية غير مشبعة رغم وجود الآخرين حوله.

هو حالة تصيب البنات والأولاد وأكثر مرحلة عمرية عرضة للفراغ العاطفي هي مرحلة المراهقة.

هو ليس حدثًا مفاجئًا، بل هو حالة تتطور تدريجيًا وتتداخل مع مراحل مختلفة في الحياة.

الفراغ العاطفي هو الشعور بالوحدة والانفصال عن الذات، وفقدان الرغبة في التفاعل الإجتماعي أو الإستمتاع بالحياة.

ويرجع ذلك إلى تزايد الحساسية والتغييرات النفسية والاجتماعية التي يعيشها المراهق مهما كان جنسه، بالإضافة إلى دور الأسرة الكبير في بناء شخصية المراهق وعدم توفير الحنان والدعم الكافي، يمكن أن يبدأ الشعور بالفراغ العاطفي في الطفولة نتيجة للإهمال والحرمان العاطفي، ويستمر إلى مراحل البلوغ.

أعراض الفراغ العاطفي قد تشمل: فقدان الحافز، اضطراب النوم، التفكير المفرط، أو البحث المستمر عن مصادر خارجية للقبول والدعم.

الفراغ العاطفي وطرق علاجه
الفراغ العاطفي وطرق علاجه

 

أسباب الفراغ العاطفي في المراهقة:

  • قصر العطف والحنان في الأسرة: خاصة من قبل الوالدين، حيث يعتبر الأبوان أساس بناء شخصية المراهق.
  • القسوة والسيطرة الأبوية: قد تؤدي القسوة في التربية إلى خلق حواجز بين الأهل وأبنائهم، وتعزيز الشعور بالعزلة لديهم.
  • انشغال الوالدين: أعباء الحياة والعمل قد تبعدهم عن تفاصيل حياة أبنائهم، مما يشعرهم بالتباعد العاطفي.
  • التمييز بين الأخوة: قد يؤدي إلى شعور المراهق بالرفض والحقد، ويزيد من شعوره بالفراغ العاطفي.

مراحل تظهر فيها علامات الفراغ العاطفي:

  • في الطفولة يحدث عندما لا يتلقى الطفل العطف والحنان في صغره، يتعرض للتهميش من قبل والديه وعدم الأهتمام به، أو المقارنة بين أخواته، مما يؤثر على تطور شخصيته وتكوينها، وتجنب العلاقات الاجتماعية.
  • في المراهقة: وهي مرحلة أكثر حساسية وذلك لزيادة معدلات الحساسية فيها، مما يجعل المراهقين يشعرون بالغربة والوحدة بين الأصدقاء والعائلة، وتزداد فرص البحث عن الأعتراف العاطفي خارج المنزل والانخراط في علاقات غير صحية بدون وعي وإدراك.
  • في مرحلة البلوغ: وهي مرحلة استمرار الشعور الداخلي بعدم الأشباع، وعدم الاستقرار في العلاقات، والشعور بالوحدة حتى في ظل وجود شريك.

اسباب الفراغ العاطفي وآثاره:

يؤثر الفراغ العاطفي على جميع جوانب حياة الفرد، بما في ذلك العلاقات الشخصية والأداء المهني والصحة العامة، مما يؤدي إلى الشعور بالوحدة والانعزال رغم المحيط الإجتماعي، والتشتت وعدم القدرة على اتخاذ القرارات، طاقة ومشاعر متضاربة لا يعرف كيفية توجيهها والسيطرة عليها.

الأسباب:

  • صدمات الماضي أو علاقات عاطفية واجتماعية مؤلمة.
  • الضغوط النفسية والاجتماعية.
  • عدم وعي الفرد بالقيم الشخصية ومحبة نفسه والتعرف عليها.

 

اسباب الفراغ العاطفي واثاره
الفراغ العاطفي وطرق علاجه

 

ثانياً: الفراغ العاطفي والعلاج بالقبول والالتزام (ACT)

في بداية الأمر علينا معرفة ماهو العلاج بالقبول والالتزام ACT؟

هو إحدى أنواع العلاج النفسي الذي يركز على مبادئ قبول المشاعر والأفكار الصعبة لزيادة المرونة النفسية، والالتزام بالعمل على تحقيق قيم شخصية غنية وذات معنى تتوافق مع القيم الشخصية.

الاختصار ACT هو اختصار للاسم الإنجليزي “Acceptance and Commitment Therapy“، وتنطق كلمة “ACT” للدلالة على أهمية اتخاذ إجراءات واقعية.

ماهو العلاج بالقبول والالزام ACT
ماهو العلاج بالقبول والالزام ACT

أهداف العلاج بالقبول والألزام ACT إلى:

  • مساعدة الأفراد على تطوير علاقات صحية مع أفكارهم ومشاعرهم، بدلاً من محاولة تغييرها أو القضاء عليها.
  • التركيز على القيم: حيث يشجع على تحديد القيم الشخصية الهادفة (مثل الحفاظ على العائلة وترابطها، الحفاظ على الوظيفة، أو الألتزام بالجانب الديني والروحانية) والالتزام باتخاذ خطوات فعالة نحو تحقيق هذه القيم، مهما توافرت صعوبات داخلية.
  • الاهتمام بعنصر اليقظة الذهنية: هنا يعلم ACT الأفراد كيفية العيش في اللحظة الراهنة والتفاعل مع تجاربهم الداخلية بمرونة، مما يسمح لهم بالاستمرار في عيش حياة صحية وانتاجية وذات معنى.
  • الالتزام بالعمل: يتضمن ذلك اتخاذ إجراءات عملية تتفق مع القيم المحددة، وليس فقط القبول.

متى يُستخدم العلاج بالقبول والالتزام؟

يُستخدم العلاج بالقبول والالتزام ACT في علاج مجموعة متنوعة من المشكلات النفسية والجسدية، بما في ذلك: القلق والاكتئاب، الألم المزمن، اضطرابات ما بعد الصدمة، اضطرابات تعاطي المواد والإدمان، والتوتر.

مبادئ العلاج بالقبول والالتزام:

يرتكز ACT على عدة مبادىء رئيسية، وهي:

  1. القبول Acceptance: السماح للتجارب الداخلية الصعبة (مثل الأفكار والمشاعر المؤلمة) بوجودها دون مقاومتها.
  2. الانفصال عن الأفكار:Cognitive Diffusion النظر إلى الأفكار على أنها مجرد أفكار، وليس حقائق أو أوامر، وفصل الذات عنها.
  3. التواصل مع الحاضر Mindfulness: الانغماس في اللحظة الراهنة بدلاً من الانشغال بالماضي أو المستقبل.
  4. تحديد القيم Values: اكتشاف ما هو مهم حقًا للشخص في حياته، والقيام بخطوات عملية مترابطة بالقيم رغم الشعور بالضيق أو الفراغ.
  5. المرونة النفسية psychological flexibility:وهي تطوير القدرة على التعامل بمرونة مع التحديات والتجارب الصعبة.

 

ثالثاً: الفراغ العاطفي وطرق علاجه باستخدام ACT ؟

العلاج بالقبول والألزام (ACT) يقدم استراتيجيات عملية، من بينها: اليقظة الذهنية، تحديد القيم الشخصية، والالتزام بخطوات واقعية نحو حياة ذات معنى.

على سبيل المثال: فتاة في منتصف العشرينات شعرت بفراغ عاطفي بعد انتهاء علاقة عاطفية مهمة، بدلًا من محاولة الهروب من مشاعر الحزن والخذلان، بدأت باستخدام تمارين اليقظة الذهنية لتتعلم ملاحظة أفكارها دون صراع، ثم حددت قيمة أساسية في حياتها وهي “التطور المهني”، فالتزمت بخطوات عملية لدراسة تخصص جديد. مع الوقت، شعرت أن الألم موجود لكنه لم يعد يسيطر على حياتها.

العلاج بالقبول والالزام -ACT
العلاج بالقبول والالزام -ACT

استراتيجيات الفراغ العاطفي والعلاج بالقبول والالتزام ACT:

يتم علاج الفراغ العاطفي بالعلاج بالتقبل والالتزام ACT وذلك من خلال 7 استراتيجيات مثبتة علمياً للتعامل مع الآلم العاطفي.

ممارسة اليقظة الذهنية Mindfulness:

اليقظة الذهنية تساعدك على البقاء في اللحظة الحالية وتقبل المشاعر دون الحكم عليه مثل التركيز على الحواس الخمس، يمكن أن تساعدك على الابتعاد عن الأفكار السلبية والألم العاطفي المكثف.

طلب الدعم الاجتماعي

التحدث مع الأصدقاء أو العائلة يمكن أن يوفر لك الراحة والتفهم. لا تخف من طلب الدعم عند الحاجة.

 تسمية مشاعرك

 تسمية مشاعرك يمكن أن تساعدك على فهمها بشكل أفضل، بدلاً من قول “أنا حزين”، جرب قول “أنا أشعر بالحزن بسبب…”. هذا يمكن أن يساعد في تقليل تأثير المشاعر السلبية.

 استخدام الفكاهة

على الرغم من أن الفكاهة قد تبدو غير مناسبة في بعض الأحيان، إلا أن الدراسات أظهرت أنها يمكن أن تخفف من الألم النفسي عن طريق تقليل القلق ومنع الأفكار السلبية، قد تبدأ بتعرض نفسك لمواقف فكاهية أو الاحاطة بأشخاص فكاهيين.

 القبول

 عندما نتجنب أو نرفض مشاعرنا، فإننا نخلق معاناة غير ضرورية. عندما نمارس القبول، نسمح لأنفسنا بالمضي قدمًا.

 طلب المساعدة المهنية

 إذا كان الألم العاطفي طويل الأمد، قد ترغب في التفكير في طلب مساعدة محترف يمكنه دعمك بتقنيات العلاج والأدوية.

 الشفاء ليس عملية خطية

 تذكر أنه لا يجب أن تشفى بنسبة 100% لتحسن جودة حياتك. التحسن التدريجي يمكن أن يؤدي إلى تحسينات كبيرة في مزاجك، وقدرتك على التعامل مع المحفزات، والعلاقات، وتقديرك لذاتك، وقدرتك على إتمام الأنشطة اليومية.

 

في النهاية، الفراغ العاطفي ليس حكمًا بالإعدام على سعادتنا، إنه رسالة داخلية تدعونا لفهم أنفسنا بعمق، وإعادة بناء علاقتنا بذواتنا قبل أي شخص آخر. العلاج بالقبول والالتزام يساعدنا على أن ندرك أن المشاعر المؤلمة جزء طبيعي من التجربة الإنسانية، يعلمنا كيف نتقبلها دون لوم أو مقاومة، ونحدد قيمنا الشخصية، ونخطو خطوات صغيرة نحو حياة أكثر اتزانًا ومعنى: وعي، قبول، ثم التزام.

تذكّر دائمًا: كل شعور صعب هو فرصة لاكتشاف الذات، وكل خطوة صغيرة نحو الالتزام بالقيم هي بداية إلى الشفاء الحقيقي.

الحياة قصيرة لتقضيها محاصرة بالفراغ، فابدأ اليوم في التعرف على نفسك، واحتضان مشاعرك، والتحرك نحو الحياة التي تريدها حقًا.

 

الأسئلة الشائعة حول الفراغ العاطفي والعلاج بالقبول والالتزام

فيما يلي مجموعة من أكثر الأسئلة التي تدور في ذهن أي شخص يعاني من الفراغ العاطفي، مع إجابات مبسطة وعملية:

❓ ما هو الفراغ العاطفي وطرق علاجه؟

الفراغ العاطفي هو حالة من الشعور بالوحدة والافتقار إلى الاحتواء والدعم النفسي، حتى مع وجود الآخرين. ينشأ عادة من نقص الاهتمام أو الحب في مرحلة الطفولة، أو من علاقات غير صحية في الحياة الراهنة.

❓ ما أسباب الفراغ العاطفي؟

  • غياب الحب أو التقدير في الطفولة.
  • الإهمال أو الرفض المتكرر من الأشخاص المهمين في حياتنا.
  • العلاقات السامة التي تقوم على الاستغلال أو التجاهل.
  • فقدان الهوية الذاتية والاعتماد على الآخرين في تحديد قيمتنا.

❓ ما هي أبرز أعراضه؟

  • الشعور الدائم بالوحدة وعدم الاكتفاء.
  • التعلّق الزائد بالآخرين أو الخوف من فقدانهم.
  • ضعف الحافز والشغف بالحياة.
  • البحث عن التعويض في الخيال أو العادات السلبية.

❓ كيف يساعد العلاج بالقبول والالتزام (ACT)؟

العلاج بالقبول والالتزام يوفّر إطارًا عمليًا للتعامل مع المشاعر عبر:

  • قبول الواقع والمشاعر المؤلمة بدلًا من مقاومتها.
  • التركيز على الحاضر والابتعاد عن اجترار الماضي.
  • اكتشاف القيم الشخصية التي تمنح الحياة معنى.
  • اتخاذ خطوات عملية تعكس هذه القيم وتبني حياة متوازنة.

❓ هل يمكن التخلص تمامًا من الفراغ العاطفي؟

قد لا يختفي الفراغ العاطفي كليًا، لكنه يمكن أن يتحوّل إلى قوة عندما نتعلم تلبية احتياجاتنا بأنفسنا، ونمنح ذواتنا الحب والاهتمام، حينها نصبح أقدر على بناء علاقات صحية مع الآخرين.

❓ ما الممارسات اليومية للتغلب عليه؟

  • ممارسة التأمل أو التنفس العميق.
  • كتابة المشاعر في دفتر خاص.
  • القيام بأنشطة تنبع من قيمك الداخلية.
  • وضع حدود واضحة في العلاقات السامة.
  • طلب الدعم من مختص إذا لزم الأمر.

❓ هل يكفي حب الآخرين لسد هذا الفراغ؟

الحب من الآخرين جميل ومهم، لكنه ليس كافيًا وحده. الأساس هو حب الذات وقبولها؛ عندها يصبح الحب الخارجي إضافة قيمة، لا تعويضًا عن نقص داخلي.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *